السرخسي

278

أصول السرخسي

الإباحة بمنزلة إباحة الميتة عند الضرورة ، ولهذا حل لكل واحد من الغانمين تناول مقدار الحاجة من الطعام والعلف الذي يكون في الغنيمة في دار الحرب قبل القسمة بخلاف سائر الأموال ، فكانت العلة فاسدة وضعا مع أنه لا تأثير لها في إثبات المماثلة بين العوضين الذي هو شرط جواز العقد بالنص . ومن ذلك قولهم في طول الحرة إن الحر لا يجوز له أن يرق ماءه مع غنيته عنه ، كما لو كان تحته حرة ، فإن تأثير الحرية في أصل الشرع في استحقاق زيادة النعمة والكرامة وفي إثبات صفة الكمال في الملك ، ولهذا حل للحر أربع نسوة بالنكاح ولم يحل للعبد إلا اثنتان ، فالتعليل لاثبات الحجر عن العقد بصفة الحرية فيما لا يثبت الحجر عنه بسبب الرق يكون فاسدا في الوضع مخالفا لأصول الشرع . ومن ذلك قولهم فيمن جن في وقت صلاة كامل أو في يوم واحد في الصوم إنه لا يلزمه القضاء ، لان الخطاب عنه ساقط أصلا ووجوب القضاء يبتنى على وجوب الأداء ، بمنزلة ما لو جن أكثر من يوم وليلة في الصلاة ، أو استوعب الجنون الشهر كله في الصوم . ونحن نقول : هذا فاسد وضعا ، لان الحادث بالجنون عجز عن فهم الخطاب والائتمار بالامر ولا أثر للجنون في إخراجه من أن يكون أهلا للعبادة ، لان ذلك يبتنى على كونه أهلا لثوابها ، والأهلية لثواب العبادة بكونه مؤمنا والجنون لا يبطل إيمانه ، ولهذا يرث المجنون قريبه المسلم ، ولا يفرق بين المجنونة وزوجها المسلم . والدليل عليه أنه لا يبطل إحرامه بسبب الجنون ، فدل أنه لا يبطل به إيمانه فكذلك لا يبطل صومه ، حتى لو جن بعد الشروع في الصوم بقي صائما ، ولا وجه لانكار هذا ، فإن بعد صحة الشروع في الصوم لا يشترط قيام الأهلية للبقاء فيها سوى الكف عن اقتضاء الشهوات ، والجنون لا ينفي تحقق هذا الفعل ، وإذا بقي صائما حتى تأدى منه عرفنا أنه تأدى فرضا كما شرع